الأحد، 4 مارس، 2012

رواية العزبة (حلقات مسلسلة)



(1)
على أنغام الناي الحزين ودعاء ساجد في تلك الربوع الخضراء ولفحة الشمس الحارة تلسع الرؤوس ونسمات الهواء الرطبة تخفف لعنة الحر الشديد وزرقة مشوبة ببضعة سحب في السماء تشكلت صورة تلك العزبة الهادئة التي اكتست بعدة أكواخ متباعدة في تنافر تعلوها أبراج الحمام تلك العزبة التي تتبع بندر دمياط وتراصت على جانبي الطريق المترب أفواج من الرجال في جلا ليبهم المرقعة ومراكيبهم البالية إن كانت لديهم غير أطفال يتقافزون في نشاط ويتغنون ببعض الأغاني الهزلية التي تصطخب بها محاوراتهم كل هؤلاء في انتظار الباشا القادم لإدارة أملاكه و يدعى أحمد الشريف الذى قرر أن يستقر في عزبته الكبيرة بحثا عن استقرار نفس ينشده بعد زواجه من أمينة هانم المراكيبى التي أنجبت له يس الذي حل بأنفاسه في العالم في غرة القرن العشرين فكان خير بشرى أحلت بوالده في حياته التي خلت من ثلاثين عاما وقد قرر لطفله أن يقضى باكورة حياته في العزبة ليتشكل عوده على نسمات الأرض ، ولذلك قدم بأعظم المهندسين ليشيدوا له قصرا فخما يليق بعائلة الشريف وسخر له مبلغا ضخما وسواعد كثيرة وفى غضون سبعة أشهر إلا نذر قليل كان القصر قد اكتمل على صورة آية في الجمال تحاكت بروعته ألسنة كثيرة وكان ركيزة معظم الأحاديث لسنوات تالية واليوم سوف يأتي الشريف بعائلته وخدمه ليقطنوا في القصر الذي لم يخلو من رائحة الدهان الطازجة
"لماذا تأخر هكذا؟ " قالها أحد الفلاحين الواقفين في انتظار الشريف
أجابه صاحبه ولمحة سخرية تعلو وجهه " الباشا لا يعرف ميعاد يأتي وقتما يريد وما علينا سوى الانتظار "
وترامت إلي سمعهما جلبة فحولا ناظريهما إلى الطريق الذي أعلنت هزة خفيفة في وجهه بمقدم الشريف بموكبه الضخم فظهرت العربة المذهبة التي ضمت في كنفها الشريف تجرها أربعة خيول ضخمة وخلفه ارتفع هودج ضخم تغطيه ستائر حمراء من أجود أنواع الحرير على سنام جمل وخلفهم كان الخدم فى حللهم البيضاء الذى يناقض سمرتهم القاتمة يعتلون عربة مكشوفة يجرها حصانان وخلفها ثلاث عربات على نفس الشاكلة تحمل أشياء الباشا.
وحين وصل الموكب الضخم إلى القصر هرع أحد الخدم إلى العربة وفتح الباب وخرج منها الشريف بعوده الفارع و بشرته النحاسية وملامحه الأرستقراطية من انف مصقول حاد على طوله يربض أسفله شارب ضخم مفتول بعناية شديدة وعينان واسعتان يكسوهما بريق واضح فى إشارة إلى حدة فى الذكاء كما جبهته الواسعة التى اختفى نصفها تحت الطربوش المبطط على رأسه وحلته الثمينة وفى تؤدة سار إلى القصر يمسك بعصاه المصنوعة من خشب السنديان الثمين التى تحمل رأس أفعى وعلت على اثر دخوله صيحات الترحيب من الناظر الزراعي الذى وقف ضاما يديه فى انكسار "أهلا ومرحبا برفعة الباشا"
وقال الشريف لرجلين كانا فى انتظاره ."أدخلوا الهانم والولد " فهرعا تلبية لطلبه وحانت منه التفاتة إلى الفلاحين فى رقاعهم البالية ولم يبد على وجهه تعبير ما
اجتاز البوابة الذى توسطت جدار القصر بمشيته الوئيدة و وصل إلى البهو الكبير الذى بسط على أرضيته سجاد فاخر تغطس فيه الأرجل وارتفع من قلب هذا البهو درج كبير تفرع إلى ممرين مواجهين للغرف الواسعة و توزعت فيه فوتيهات ملكية ضخمة غير الصفرة الطويلة التى تراص على جانبيها كراسي كثيرة وعلى سطحها مجموعة ثمينة من الشمعدان واعتلى السقف قناديل إسلامية تحمل شكل الكاري والتصقت بالحائط قناديل كبيرة وفى وسط البهو تماما انتصبت مبخرة كبيرة من النحاس تعبق بدخانها العطر جنبات القصر ويوازيها مدفأة تراصت أمامها بضعة فوتيهات .
افتر ثغر الشريف عن ابتسامة إعجاب بثروته التى أنعمت عليه بذاك الملكوت وتوجه إلى غرفة الاستقبال التى أعدها لضيوفه وجلس على أحد الفوتيهات وخلفه يسير الناظر الزراعي خميس الشواف بقامته الضئيلة ونظرته الماكرة وهندامه المتواضع وكفيه المضمومتان وقال فى انكساره المعهود :"نورت قصرك يا رفعة الباشا "

أجاب الشريف وعلى وجهه أمارات الاحتقار :" شكرا . فلتأمر الفلاحين بالعودة إلى الأرض وأن يسرع الخدم بإعداد الغداء"

يتبع

السبت، 25 فبراير، 2012

دماء واهية (قصة قصيرة)


جنون تلك الحياة أبعد تلك الحياة العامرة يموت ذلك الجسد النابض بألوان البهجة والحيوية ويموت معها كل معنى للرحمة ؟ إنها شوقية والدة الفتاتين التى رحلت إلى دار الحق تاركة اليتيمتين فى دنيا بلا قربى تكفلهما .
نسرين وأمل فتاتين فى مقتبل العشرينيات وان كانت أمل تكبر أختها بعام وبضعة شهور تنطق ملامحهما بذلك الوهج الشاب ويفيض جسديهما بنتوء الصحة والجمال .
بلا مال وبلا أقارب وإن كانتا فى الحياة مازالتا تتنفسان فموت ضمير يكفلهما فسرعان ما أعدتا العدة وطلبتا الرحال إلى شقة كان المرحوم الوالد قد اشتراها فى السادس من أكتوبر واستقر بهما المقام فى تلك الشقة وفى غمرة البحث عن حياة جديدة وجدت أمل عملا بأحد المحلات والأخرى عملت فى إحدى المحطات الفضائية ومالبثت الحياة أن أخذت مجراها الطبيعى لايشوبها جديد سوى نظرات الناس التى بدأت تحوم حولهما كنسور جائعة ونظرات مسمومة ترتاح على ظهريهما فى رواحهما للعمل وغداتهما منه إلا أن ذلك لم يكن بالأمر الشديد والقاسى فقد تعودتا لطمات الدنيا فجلدتا على أثرها وانطلق العمر يجر فى سنيه جرا والفتاتين فى ذلك قد صقلتهما مواطن الضعف فى نفوس الناس غير الحاجة لكل شىء إن كان مالا أو أمانا أو رحمة .

************
" أنا أحب يا إلهام " قالتها نسرين فى انشراح منكفىء على لون وجهها البض .
أطاحت الكلمة بهدوء أمل التى كانت تملك عقلا راجحا ورثته عن والدتها وقالت بهدوء لا يناسب ما يتأجج بصدرها من خوف وقلق وقالت :" ومن هو؟"
قالت نسرين بحماس :" زميل لى فى المحطة واسمه مدحت وستحبينه فهو طيب وكريم ويعاملنى بصدق "
-" وما أصل تلك الثقة التى توليها له؟ "
-"عرفته عاما كاملا ولم أر منه سوى كل خير "
-" ألم يحدثك فى أمر ما يخص الزواج أوشىء من هذا؟ "
-" بلى ولهذا أقول لك فما رأيك ؟"
صمتت أمل هنيهة تحدث نفسها :" آه منك يا دنيا... أخيرا تخبئين أم شرا كعادتك ؟" وقالت بغمغمة مسموعة :" أخاف عليك يا نسرين فنحن ضعفاء وكما تعرفين وليس لنا أحد حتى جيراننا يستعفون منا ككلاب "
قالت نسرين بحماس مشوب بأسى بدا جليا بصوتها :" لا تخشين على ياعزيزتى سترينه ومافيه الخير يكون ."

***********
كان لقاء أمل ومدحت كلقاء الكبار لا يشوبه كدرسوى مزاح نسرين التى تمتلىء حيوية وبهجة لم تكسرها الأيام ولطماتها ووجدت فيه أمل شابا كريما تنطق سريرته بالصدق وروت له ظروفها هى وأختها ولم تدهش حين علمت أن مدحت يتيما مثلهما لم يعهد للحنان طعما فى حياته القصيرة وعرفت سر قبوله لوضعهما شبه الشاذ وخطب الإثنان لبعضهما وكانت ليلة رائعة ترتسم فيها الفرحة دموعا وطمأنينة لم تعهداها منذ زمنا ليس بالقليل .

***********
السماء تنذر بغضب فى ليلة شتوية قد تراكمت فيها الغيوم واختفى القمر ولم يعد ثمة سائر فى تلك الظلمة سوى شبحين أحدهما لشاب والآخر لفتاة ولم يكونا سوى نسرين وخطيبها الذى ودعها عند باب العمارة وتركها عائدا لحاله وهناك من بعيد لاح أربعة شباب قد اتخذوا من الأرض مجلسا وصفت أمامهم زجاجات الخمر وفى أيديهم تنفث دخانها الأزرق سجائر الحشيش تتهادى ضحكاتهم وسبابهم الفاجر ولم يزالوا على حالهم حتى مر أمامهم الشاب الذى مر منذ قليل مع فتاة التى يعرف أحدهم أنها تسكن واختها بمفرديهما ودون اتفاق تناقلت الأعين إشارة ما ونهضوا من موضعهم ومضوا الى العمارة فدخلوا الشقة عنوة ولم تكد تراهم نسرين حتى ارتفع صراخها لولا أن امتدت يد وكتمت فاها وخرجت أمل من غرفتها على أثر الصرخة المكتومة فانقض عليها الشباب وحدث ماحدث .

***********
خوف وهلع من أن تعرف الجريمة التى ينطق جسدى الفتاتين الصامتتين ودماء وسحجات زرقاء أوسوداء وشواهد أكثر وهروب الشباب الى الخارج مشاهد لن تنسى كغمامة سوداء قد سطرت بالدموع فى القلب .
وهذا مشهد آخر يقف فيه مدحت أمام نسرين الى تعطيه خاتم الخطوبة و مشهد آخر لها وهى تقدم استقالتها ولا سبب معروف ، ومشهد آخر لأمل وهى تدخل على أختها غرفتها وتراها مسجاة على الأرض جثة هامدة ومشهد أخير لقصاصة من جريدة ما تطير فى الهواء وتبدأ فى التهاوى لتستقر على الأرض
وقد لاح فيها خبرا مكتوب " انتحار فتاتين فى شقتهما بالسادس من أكتوبر ".